مقابلة راشد علي الأنصاري مع صحيفة الناشونال

  •  كيف أثّرت التكنولوجيا المتقدّمة على قطاع التحويلات المالية على مدى الأعوام الخمسين الماضية؟ وكيف يمكن مقارنة واقع القطاع بين الماضي والحاضر؟

لعبت التكنولوجيا المتطوّرة دوراً محورياً وهاماً في دفع مسيرة نمو قطاع التحويلات على مدار السنوات الخمسين الماضية. وشهدنا بدورنا التطور الهائل في التكنولوجيا الجديدة ذات الصلة بقطاع الصرافة والتحويلات المالية، حيث لا أزال أتذكّر السجلات المكتوبة بخط اليد واستخدام ورق الكربون لإنشاء نسخ قبل ظهور آلات التصوير وأجهزة الكمبيوتر. ولا يمكنني أن أنسى أيضاً الثورة الهائلة التي شهدتها التحويلات المالية الدولية مع ظهور شيكات المسافرين، والتي لم تعد مستخدمة على الإطلاق في الوقت الراهن. ومما لا شك فيه بأنّ الاختلاف جذري بين الأمس واليوم، حيث كان يتم تسجيل المعاملات يدوياً وإرسالها بالبريد، ومن ثمّ في التلكس والفاكس. كما كان استخدام الرموز العشوائية اليدوية السرية شائعاً للغاية، إذ يتم وضعها بالتسلسل بين وكلاء المراسلة لتكون بمثابة علامة لمصادقة طلب الدفع الذي تم استبداله بالرمز الرقمي الذي ينشئ رموز تحقق عشوائية قيد الاستخدام اليوم.

وكنّا أيضاً شاهدين على تطوّر شركات الصرافة من كونها فروعاً تقليدية تقع في مناطق تجارية مزدحمة، بإدارة فريق كامل من المحاسبين والمدققين المالية، لتصبح حالياً نموذجاً حديثاً ومتكاملاً لمفهوم مراكز الخدمات المنتشرة على نطاق جغرافي واسع في مراكز التسوق والمناطق الحيوية، ما يضمن وصول جميع الفئات المستهدفة إلى خدمات الصرافة والتحويلات المالية بصورة سريعة وسلسة.

ويمكن القول بأنّ التحوّل الجذري ضمن القطاع جاء جنباً إلى جنب مع انتشار شبكة الإنترنت، التي جعلت تحويل الأموال أكثر سرعةً وملاءمة وكفاءة. وأدّى الإنترنت إلى ظهور التحويلات الرقمية التي ساهمت في تبسيط وتسريع وتيرة إتمام المعاملات، وبأسعار مناسبة أكثر من أيّ وقتٍ مضى. وأثّرت تقنية الهاتف المحمول أيضاً على الطريقة التي يتم بها تحويل الأموال في جميع أنحاء العالم، حيث أعادت الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة الأخرى تشكيل مستقبل قطاع التحويلات المالية عالمياً.

وتواصل التكنولوجيا المتقدّمة، اعتباراً من شبكة الإنترنت ووصولاً إلى الخدمات المصرفية الدولية عبر الهاتف المحمول والخدمات المصرفية عبر الإنترنت والتكنولوجيا المالية، التأثير بصورة ملموسة على القطاع. إذ بات بإمكان العملاء الآن الوصول مباشرةً إلى الخدمات والتطبيقات الحديثة التي تقدمها مختلف المؤسسات المالية، مما يتيح لهم إرسال الأموال في أي وقت ومن أي مكان دون تأخير. ونتوقع أن نشهد تحولات تكنولوجية هائلة ذات تأثير أكبر على التحويلات العالمية خلال السنوات القليلة القادمة.

  •  ما هي المحطات الرئيسة لقطاع التحويلات المالية على مدار السنوات الخمسين الماضية، والتي أدت إلى الوصول إلى الواقع الراهن، بما فيها تقنية التحويلات الفورية وتطبيقات تحويل الأموال وغيرها؟ وما هي المدة التي استغرقتها عملية إرسال الأموال في الماضي؟

لم تقلّل التكنولوجيا المتطورة الوقت المستغرق لتحويل الأموال من أيام إلى دقائق فحسب، بل ساعدت أيضاً في الحد من التكلفة بشكل لافت. وشهدت دولة الإمارات تطوراً إيجابياً لافتاً مع تخفيض تكلفة التحويلات المالية إلى نصف المتوسط العالمي، وهو ما تؤكده الإحصائيات الرسمية الصادرة عن “البنك الدولي”. ويُعزى الأمر بالدرجة الأولى إلى الاستثمارات المتزايدة في التكنولوجيا الرقمية، مثل تطبيقات الأجهزة المحمولة.

وتبرز الإمارات اليوم باعتبارها ثاني أكبر دولة في العالم لتحويل الأموال بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وكنا محظوظين بأن نكون جزءاً من مسيرة النمو المستمرة اليوم. وتحتل شركات الصرافة في دولة الإمارات موقع الصدارة على صعيد تحديث بنيتها التحتية الرقمية، بما يضمن تلبية احتياجات المجتمع المحلي فيما يتعلق بالتحويلات المالية. وأحدثت الاستثمارات في البوابات الإلكترونية وتطبيقات الأجهزة المحمولة، إلى جانب إدخال خدمات المحافظ الرقمية والتحويلات الفورية وأكشاك الخدمة الذاتية وخدمات التكنولوجيا المالية، فارقاً كبيراً وتغييراً إيجابياً في تجربة عملائنا الذي يقومون بإرسال الأموال إلى أحبائهم في الوطن. ويمكن القول بأنّ العملاء يحظون اليوم بفرصة تحويل الأموال بصورة أسرع وفق معاملات أكثر ملاءمة وموثوقية وبأسعار أكثر تنافسية، إلى جانب العديد من المزايا الأخرى.

وتعد تقنية “بلوك تشين” أيضاً إحدى التطوّرات اللافتة التي تركت تأثيراً إيجابياً للغاية على القطاع. إذ تساعد التقنية المتطوّرة، ومن خلال عدم الحاجة إلى وجود وسطاء متعددين، في تقليل وقت وتكلفة المعاملات، مع ضمان الشفافية التامة. وتقوم التقنية بدور محوري في جعل التحويلات المالية أسرع وأرخص وأكثر كفاءة، فضلاً عن تعزيز “الشمول المالي”، والذي يتيح للأفراد والشركات إمكانية الوصول إلى منتجات وخدمات مالية مفيدة وبأسعار ميسورة تلبي احتياجاتهم، بما يتماشى مع توجهاتنا في “الأنصاري للصرافة”. ونحرص من جانبنا على اختبار أحدث الابتكارات التكنولوجية مع بعض وكلائنا العالميين في تسهيل وتسريع إتمام معاملات التحويلات المالية. ووفقاً لنتائج هذه الاختبارات، نعمل على تطوير وتنفيذ خطط شاملة لتوسيع نطاق التكامل التكنولوجي.

  •   هل كان لجائحة “كوفيد-19” دور في تسريع وتيرة التحول الرقمي لقطاع التحويلات المالية؟

شكّلت جائحة “كوفيد-19” بلا شكّ دفعة قوية للتحول الرقمي، ضمن مختلف القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاع التحويلات المالية. وساهم الارتفاع الهائل في الطلب على الدفع الإلكتروني في زيادة التركيز على الرقمنة، والتي تعتبر حجر الأساس لضمان استمرارية الأعمال وتعزيز تجربة العملاء. كما أدى الوباء العالمي إلى إحداث تحول جذري في نموذج الأعمال، بالتزامن مع التوجه المتنامي من قبل العملاء نحو استخدام القنوات الرقمية، والابتعاد عن المعاملات النقدية التقليدية.

  •   كيف ترون مستقبل التحويلات المالية؟ وبرأيكم، إلى أين يتجه القطاع حالياً؟

نرى بأنّ العملاء باتوا اليوم أكثر قدرة على مواكبة التطوّر الإلكتروني، بالتزامن مع استمرار مساعينا لدفع عجلة التحوّل الرقمي. ولطالما أكّدنا، في “الأنصاري للصرافة”، على ضرورة مواكبة هذا الاتجاه الهام، إيماناً منّا بالفوائد المترتبة عن الرقمنة. ونعتقد أنّ نمو الإيرادات في السنوات المقبلة سيبقى معتمداً على العروض الإلكترونية والعمليات الرقمية، مما يمنح أوائل المستخدمين ميزة تنافسية. وفي العام 2021 وما بعده، سيستمر التحول الرقمي باعتباره الاتجاه السائد، ما يدفعنا إلى المضي قدماً في التزامنا بالاستثمار على نطاق واسع بالمبادرات الرقمية والتطبيقات الذكية ذات الصلة. ونحن على ثقة تامة بأنّ دولة الإمارات ستحافظ على مكانتها الرائدة عالمياً كمركز حيوي وموثوق للخدمات المالية.

  •   هل تعتقدون بأنّ العملات المشفرة قد تكون جزءاً من مستقبل التحويلات المالية؟

ستشهد التحويلات المالية في المستقبل تغييرات جذرية، حيث سيكون طلب العملاء المتزايد بمثابة حافز قوي لتبنّي المزيد من التقنيات المبتكرة وتشكيل شراكات جديدة على الصعيد العالمي. ويمكن القول بأنّ الطلب من قبل العملاء سيكون القوة الدافعة لتشكيل ملامح مستقبل القطاع، وتغيير توقعات وتطلعات مزودي الخدمات.

ولا يزال العديد من العملاء يظهرون حذراً كبيراً من العملات المشفرة، نظراً للتقلّب الكبير في قيمتها وغياب اللوائح التشريعية الناظمة لها، إلى جانب متطلباتها التقنية المعقدة. وعندما يتعلق الأمر بتحويل الأموال، لا يزال العملاء بحاجة إلى وجود نظامٍ ذي موثوقية وشفافية عالية. ويضع المصرف المركزي لدولة الإمارات قواعد تنظيمية ولوائح صارمة تضمن الشفافية الكاملة وتحمي المصلحة العامة، ما يمنح عملاءنا الراحة والثقة بالنظر إلى وجود هيئة إدارية يمكن اللجوء إليها في حال حدوث أيّ خطأ ما.

ويختلف نموذج عمل العملات المشفرة تماماً عن نموذجنا الحالي. وبصفتنا كياناً ينظّمه المصرف المركزي لدولة الإمارات، فإننا نلتزم بكافة البروتوكولات والإرشادات الصادرة عنه لضمان اعلى مستويات الشفافية والموثوقية في كل معاملة على حدة. ومع ذلك، سنمضي قدماً في “الأنصاري للصرافة” بإجراء دراسات معمقة حول جدوى العملات المشفّرة ومراقبة التطورات المتسارعة ذات الصلة.